التنقيب عن الأفكار فى منجم الابتكار
كتبهامحمد التفراوتي ، في 9 يونيو 2009 الساعة: 22:19 م
جهاز تنمية الابتكار والاختراع.. يزرع الأفكار ويحصد الإبتكار
د. طارق قابيل
بالرغم من أن الأفكار الأصيلة لا أجنحة لها، فإنها قد تسبق الريح، وتعصف بالثابت وتزلزل جبال الركود وتصنع التاريخ. وعلى مدار التاريخ فقد كانت الاختراعات الجديدة والابتكارات الخلاقة المدهشة مناراً لنهوض المجتمعات وتقدم بني البشر وتحضرهم. ومازالت الإبتكارات والإختراعات تمثل طوق النجاه للمجتمعات البشرية وتشكل منجماً لاينضب للثروات غير التقليدية وغير المعتمدة على الموارد المحلية المتاحة.
إن كل ما تتطلبه الأفكار الأصيلة المبتكرة هو وجود بيئة ملائمة لها لتنبت وتنمو وتترعرع. وكان لزاما أن تقوم جهة ما في بلادنا بمساعدة الأفراد على تطوير أفكارهم وتنمية إبداعهم على نحو منهجى منظم عالى الفاعلية، وهو عمل ضروري وحاجة ملحة تحتاجه بلادنا بشدة، وبالذات فى هذه الفترة المظلمة من الأقتصاد العلامى. ويجب أن يشارك في تنفيذ هذا الجهد المؤسسات العامة والخاصة الى جانب مؤسسات المجتمع المدني، للنهوض بهذا الدور الحيوي والرائد الذى يمثل حجر الزاوية لبناء نهضة الأمم، وتلبية حاجتها الوطنية الملحة.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف الوطنى الكبير أنشئ جهاز تنمية الابتكار والاختراع بأكاديمية البحث العلمى والتكنولوجيا المصرية بمقتضى قرار وزير البحث العلمى والطاقة الذرية رقم 3 لسنه 1976م، ثم انتقلت تبعيته إلى أكاديمية البحث العلمى والتكنولوجيا بقرار وزير التعليم والبحث العلمى رقم 7 لسنه 1978، وتم افتتاح المرحلة التطويرية للجهاز فى يوليو 2001 . وجهاز تنمية الابتكار والاختراع هو جهاز فريد من نوعه في قارة أفريقيا والعالم العربى، و يهدف إلى تنمية الوعى الابتكارى وحشد وحفز القدرات الابتكارية والتكنولوجيا الوطنية المبدعة بشتى الوسائل المادية والأدبية والوصول بهذه الابتكارات إلى درجة الاستغلال التكنولوجى.
ويوجد في مصر الآن أكثر من 23 ألف براءة اختراع مسجلة، غير آلاف الأفكار والابتكارات الأخرى غير المسجلة، التي لا تجد من يعتني بها أو يوظفها عمليا في حياة الناس، بالرغم من أنه يمكن انتقاء مئات الابتكارات المفيدة منها، وخاصة التي تقدم حلولا عملية ونافعة لكثير من مشكلاتنا الاقتصادية الملحة التى تعانى منها بلادنا. ويطمح الجهاز إلى نشر وتعظيم الاستفادة من هذه الأفكار، واستقطاب ذوي الأفكار الجديدة، وتشجيع أى فرد يمتلك ابتكار جديد، أو فكرة خلاقة. كما يهدف الجهاز إلى التنقيب عن الأفكار الخلاقة في شتى مناحى الحياة، التي تجود بها قرائح المبدعين والباحثين في مصر والعالم العربي، والعمل على دراستها وتأصيلها منهجيا بعد التأكد من جديتها وموضوعيتها، وإخضاعها للبحث المنهجي العلمي الدقيق من جانب علماء وخبراء متختصين، يبحثون إمكانية الاستفادة الفعلية منها، ومدى فعاليتها في حياة الناس عمليا وتطبيقيا.
ويشير الأستاذ الدكتور محمد طارق حسين رئيس أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا إلى أنه مازالت تنقصنا ثقافة الملكية الفكرية. كما يشير إلى أن رجال الأعمال لم يقوموا بأدني جهد من أجل تشجيع الابتكارات الوطنية، ونطالبهم بأن يمدوا يد العون للمخترعين والدخول معنا شركاء في الكثير من المخترعات لتحويلها إلي منتجات، خاصة أن بعض الشركات تشتري براءات الاختراع من الخارج، وتتكبد مبالغ طائلة في ذلك. ويستدرك بأن براءات الاختراع تقود الثورات التكنولوجية في كل مكان حول العالم الآن، ويؤكد على أن أكاديمية البحث العلمى والتكنولوجى قد خصصت ميزانية كبيرة لدعم الأبتكارات الواعدة التى يحتاجها السوق المحلى بشدة، والتى تساهم فى التنمية الإجتماعية والإقتصادية، وتعود بالخير الوفير على أهلنا من المصريين والعرب.
كما يوضح الدكتور طارق حسين أن براءات الاختراع ليست سوي وثيقة قانونية تحمي حق المخترع في اختراعه. وعلي رجال الأعمال التقاط الاختراعات الواعدة، وتحويلها إلي نماذج أولية، ومساعدتنا في عمل هذه النماذج، لتوفير تكلفة تنفيذ النماذج الأولية للمبتكرات، والتي تتراوح بين ألف وخمسين ألف جنيه للإبتكار الواحد. كما يؤكد على أن إقبال المستثمرين ورجال الأعمال علي استثمار أموالهم في هذه الاختراعات، كي تتحول إلي منتجات يتم تسويقها فى السوق المحلية والعربية سيعود بالخير على الجميع، وسيحقق نهضة علمية وتكنولوجية واعدة لبلادنا. ويتابع: إن رقمنا في براءات الاختراع متدن جدا عالميا، فعدد البراءات بالقياس إلي السكان يعد مؤشرا لمدي تقدم الدولة علميا، وهناك حلقة مفقودة بين نتيجة البحث العلمي وتحوله إلي منتج تكنولوجي، والحل في استحداث حاضنات تكنولوجية كوسيط بين البحث والتطبيق، مشيرا إلي أن امتلاك التكنولوجيا ثروة لا تقدر بثمن، فاليابان على سبيل المثال دولة معدمة الموارد لكنها تحقق معظم دخلها القومي من أفكار أبنائها.
ونظراً لأن سواد المخترعين لا يملكون القدرة على إخراج أفكارهم للنور المواهب الواعدة والابتكارات العلمية الجديدة، فيقوم الجهاز بتشكيل لجان متخصصة في مجالات العلوم والهندسة والتكنولوجيا تعرض عليها الإبداعات والابتكارات الجديدة لاختيار المناسب والنافع منها، وترفع اللجان توصياتها لإدارة الموقع، التي تختار في النهاية الأفكار الجادة والابتكارات المفيدة، وتعرضها للتنفيذ على الجهات المعنية وتتعهدها بالرعاية حتى ترى النور.
وجهاز تنمية الابتكار والاختراع يستهدف تشجيع الأفكار الوطنية المبدعة بشتي الوسائل المادية والأدبية، ويحاول أن يمد يد المساعدة لشبابنا الواعدين، ممن حصلوا علي براءات اختراع، بحيث تتحول هذه الابتكارات إلي منتجات قابلة للتسويق، وقيمة مضافة جديدة للاقتصاد الوطني.
ويهدف الجهاز إلى تشجيع وتصنيع النماذج الأولى للابتكارات والاختراعات المصرية المتميزة التى تؤدى إلى توليد تكنولوجيا وطنية متميزة وواعدة. كما يساهم الجهاز فى تنسيق الجهود الوطنية لتنمية القدرات الابتكارية خاصة بين شباب المبتكرين من خلال دعم النوادى العلمية واتحادات المبتكرين والمخترعين والجمعيات الوطنية الخاصة، وعن طريق إقامة معارض ومسابقات سنوية لاختيار أفضل الابتكارات والاختراعات المختلفة ومنح الفائزين جوائز مالية وعينية. كما يسلط الجهاز الضوء على خصائص الابتكارات والاختراعات المصرية المتميزة وذلك عن طريق وسائل الإعلام المختلفة، وعن طريق تنظيم وإقامة المعارض وعقد اللقاءات وورش العمل. كما يقوم الجهاز بتشجيع الهيئات الصناعية والمنظمات الاستثمارية بكيفية تبنى واحتضان الابتكارات والاختراعات المتميزة فى المجالات المختلفة وإيجاد السوق المناسب لها، ويدعوهم لتخصيص نسبة من رؤوس أموالهم لاستثمارها من اجل تحقيق هذا الهدف الأسمى، ويشجعهم على إدخال منتجات جديدة إلى الأسواق والاستفادة من العائد منها فى إطار القواعد المنظمة والمشجعة.
ويشير الدكتور طارق قابيل، المشرف علي قطاع التنمية التكنولوجية والخدمات العلمية بالأكاديمية، إلي أن القطاع ينقسم إلي جهازين، تنمية الابتكار والاختراع، ومركز الأجهزة العلمية، مؤكدا أن هدف القطاع دعم وتعزيز الصناعات الصغيرة والمتوسطة بمخرجات الابتكار والاختراع، لذلك يقوم الجهاز في هذا الصدد بتوقيع عقود تسويق مع المخترعين، علي أن يقوم الجهاز بتصنيع النموذج الأولي لابتكاراتهم واختراعاتهم. كما يناشد الدكتور قابيل جميع وسائل الإعلام المرئى والمسموع والمكتوب ضرورة نشر الوعي الابتكاري، موضحا أن آليات إخراج براءات الاختراع للاستفادة منها في المجتمع، تشمل النشر الإعلامي، بالدعاية والإعلان والاشتراك في المعارض الدولية والمحلية، بناء علي عقد تسويق يبرم مع المخترع، والتعاقد مع جهة تصنيع كبيرة.
ويضيف أن الجهاز يشتمل على عدة لجان، مثل لجنة فحص ودراسة البراءات بهدف التحديد المبدئى للبراءات القابلة للتسويق ، ولجنة إدارة مشروع التعاون المبرم بين الصندوق الاجتماعى للتنمية وأكاديمية البحث العلمى والتكنولوجيا المصرية. وجدير بالذكر أن الصندوق الإجتماعى للتنمية يقوم بدور فعال بالتعاون مع الأكاديمية لدعم تنفيذ النماذج الأولية للمبتكرات المصرية، وقد لعبت هذه الشركة دوراً محموداً فى إخراج العديد من المبتكرات إلى النور.
وقد شارك الجهاز فى عدة معارض بداخل مصر وخارجها، مثل معرض الكوميسا، و معرض تكنولوجيا التعليم الخاص بأرض المعارض، مدينة نصر والمعرض المقام على هامش مؤتمر "تقييم التجربة والرؤية المستقبلية" لمشروع تطوير التعليم العالى. وشارك المؤتمر فى المعرض المصاحب للمؤتمر الدولى للبحث العلمى من أجل التنمية نحو صياغة إستيراتيجية تطبيقية، والمعرض الدولى السادس لتكنولوجيا الصناعات الصغيرة عام 2007. كما شارك الجهاز فى معرض الكويت الدولى للاختراعات ، فى نفس العام .
وحصل العديد من المخترعين على جوائز متميزة فى عالم الإبتكار والإختراع، مثل جائزة الإبداع والاختراع المقدمة من المنظمة العالمية للملكية الفكرية والاتحاد الإفريقى، وجائزة تنمية الابتكار والاختراع فى مجال الصناعة والتنمية التكنولوجية.
تصنيع النماذج الأولى لبعض الاختراعات المتميزة
ويقوم الجهاز بتمويل وتصنيع النماذج الأولى لبعض الاختراعات المتميزة والمختارة، وقام الجهاز بتصنيع بعض النماذج طبقًا لاتفاقية التعاون مع الصندوق الاجتماعى للتنمية ، كما تمكن الجهاز من تنفيذ أجهزة متنوعة تخدم جميع مجالات الحياة. ومن بين الابتكارات التي تم توقيع عقود تسويق بين الجهاز والمخترعين بشأنها فى مجال صناعة السيارات تصنيع جهاز للإنذار وللإطفاء الذاتى للسيارة، وجهاز لحماية فرامل السيارة ويعمل بالهواء المضغوط، وجهاز لوقاية المحركات الثلاثية الأوجه، و كرسى متحرك ذاتى الحركة لذوي الاحتياجات الخاصة، وجهاز طرد هواء الفرامل من السيارة دون مكاركة، وجهاز آلي بمطب صناعي لتوقيف السيارة الهاربة، بالإضافة لإنتاج محلول مانع لاشتعال الحريق يستعمل فى السيارات والعديد من المنشئات.
أما فى المجال الطبى فقد تمكن الجهاز من تصنيع نماذج أولية للعديد من الأجهزة الطبية الهامة، والتى لا يتوجد لها مثيل على مستوى العالم مثل جهاز إيقاف النشاط الكهربى الزائد بالمخ المسبب للصرع، وقد أجريت تجارب مبدئية على الجهاز تحت إشراف علماء المخ والأعصاب فى كلية الطب القصر العينى وأثبت فاعلية مميزة، كما تم تصنيع جهاز آخر لتفتيت حصوات الكلى والمسالك البولية عن طريق ضغط الهواء، وهو جهاز فريد تم تجربته بجامعة أسيوط المصرية، هذا بالإضافة لجهاز لتنمية المهارات للأسوياء وللمعاقين.
وفى مجال تكنولوجيا المياة قام الجهاز بتنفيذ عدة أجهزة هامة يحتاج إليها العالم العربى من المحيط إلى الخليج مثل عمل جهاز لتحلية المياه للحصول على المياه المقطرة بترطيب وتكثيف الهواء، وجهاز لترشيد استهلاك المياه، وجهاز إلكتروني يقلل ملوحة المياه والرواسب والأملاح المعدنية بمعادلتها كهروستاتيكيا، وإستحداث طريقة آمنة لتأمين اسطوانات الكلور المضغوطة.
أما فى المجال الزراعى فقد تم إستحداث طريقة لتحضير مبيد حشرى بيرثرويدى، وتصنيع جهاز لتقليع حطب القطن. كما تم تصنيع ماكينة آلية لتقطيع الخبز البلدى، تصميم جهاز يساعد على إستحداث طريقة لتربية ملكات نحل العسل داخل طوائف نحل العسل فى ظل وجود الملكة، وهو يساعد على زيادة إنتاج غذاء ملكات النحل بنسب عالية تزيد عن المعدل الطبيعى لخلايا النحل. كما تم إستحداث طريقة جديدة لاستخلاص مادة لاصقة من أصل نباتى.
ومن ناحيته يدعو الدكتور محمد طارق حسين رجال الأعمال والهيئات التمويلية المصرية والعربية والدولية للتبرع لجهاز الإبتكار والإختراع، وعقد إتفاقات شراكة مع الجهاز من أجل دعم تصنيع النماذج الأولية لابتكارات المبتكرين، باعتبارها الخطوة الأولي والأساسية، التي يقوم بها الجهاز بعد التعاقد مع المخترع، كي يتحول ابتكاره إلي مادة قابلة للتسويق، ومن ثم إلي خط إنتاج في مرحلة تالية. ويؤكد على أن مصر دائماً ولادة، وأن الأفكار المصرية متجدده، وتناسب الإحتياجات المحلية فكما يقول المثل فإن "الحاجة أم الإختراع"، وهو ما يظهر جلياً فى طبيعة الإبتكارات المحلية، والتى إذا ما تم تبنيها فمن المؤكد أنها ستساعد على تنمية المجتمع المصرى والمجتمعات العربية، وتقودها جميعاً إلى بر الأمان. كما يؤدى الإستثمار فى عالم الإبتكار إلى بداية جديدة فى عالم الإقتصاد، تساعد النظم الإقتصادية فى الإستيقاظ من كبوتها فى عهد الإقتصاد الجديد المبنى على المعرفة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج























