<script type="text/javascript" src="http://widgets.amung.us/classic.js"></script><script type="text/javascript">WAU_classic('7ffxz938pvqb')</script>

منطقة سوس ماسة تشهر التحدي في وجه التغيرات المناخية

كتبهامحمد التفراوتي ، في 19 ديسمبر 2008 الساعة: 17:54 م

 بقلم: حسن هرماس*

 harmasلا تزال الصيحات المدوية الصادرة عن مختلف الهيئات الوطنية والإقليمية والدولية تتوالى في الوقت الراهن مثيرة انتباه البشرية إلى ما يحف بكوكب الأرض من مخاطر تهدد حياة الإنسان والحيوان والنبات وذلك بسبب الآثار السلبية الزاحفة للتغيرات المناخية الناجمة عن الاستغلال المفرط للثروات الطبيعية من طرف الإنسان الذي داهمته هذه الحقيقة المرة, وهو غارق في تكديس المنافع دون التفكير في المآل الذي ينتظر الأجيال اللاحقة.
والمغرب كغيره من البلدان النامية معني بهذا التحدي الذي يواجه أيضا الدول الأقل نموا, والبلدان المتقدمة على حد سواء ما دام الطرف المعني بهذا التهديد هو الجنس البشري في المقام الأول, حيث غدا الحديث في السنين الأخيرة حاضرا بقوة حول النقص في التزود بالماء, وزحف التصحر, والتراجع المهول في المساحات الخضراء, وارتفاع حرارة الأرض وغيرها من الظواهر الطبيعية السلبية الأخرىالتي تلقي بثقلها الكبير على ميزانيات الدول وتعرقل مسيرتها التنموية وتعيش منطقة سوس ماسة في الجنوب المغربي واحدة من أخطر تجليات ظاهرة التغيرات المناخية, حيث من المعروف أن هذه المنطقة تتميز بمناخها شبه الجاف, الذي زادت من قساوته قلة التساقطات المطرية خلال العقود الثلاثة الأخيرة  وبالموازاة مع ذلك تعرف المنطقة نشاطا زراعيا مكثفا وعصريا يستثمر آخر المستجدات الطارئة في مجال البحث الزراعي, مع استخدام التكنولوجيا الحديثة, الشيء الذي جعل اللجوء إلى استغلال الفرشاة المائية الجوفية أمرا لا مفر منه.
وتفيد المعطيات الصادرة عن المكتب الوطني للماء الصالح للشرب بأن 95 بالمائة من المياه الجوفية المستغلة في حوض سوس ماسة موجهة  أغراض الزراعية, حيث لا تزال أزيد من 50 بالمائة من المساحات الفلاحية في المنطقة تستخدم أساليب الري العتيقة, مقابل حوالي 40 ألف هكتار فقط تستعمل تقنية الري بالتنقيط, وهو ما نتج عنه ضخ كمية من المياه توازي حوالي 729 مليون متر مكعب سنة 2003, بينما انحصرت كمية تطعيم الفرشاة الجوفية بالمياه المتجددة في حدود 358 مليون متر مكعب.
وإذا كانت نتيجة هذا الاستغلال المفرط للمياه الجوفية في منطقة سوس ماسة إيجابية على مستوى المردود الزراعي حيث تنتج المنطقة أزيد من 70 بالمائة من صادرات المغرب الإجمالية من الخضر والبواكير, وأزيد من 60 بالمائة من صادراته من مختلف أصناف الحوامض, فضلا عن تزويد السوق
المغربية بقسط كبير من حاجياتها من المواد الاستهلاكية الزراعية, فإن هذا الاستغلال المفرط للموارد المائية له وقع سلبي خطير على الوضع البيئي في المنطقة برمتها إذ تكفي الإشارة في هذا الصدد إلى أن نسبة انحدار مستوى المياه الجوفية في بعض الأحواض السقوية بالمنطقة يتراوح بين مترين ونصف وأربعة أمتار سنويا.
وإزاء هذه الوضعية المقلقة, دقت وكالة الحوض المائي لسوس ماسة ناقوس الخطر محذرة من كون هذه المنطقة المحاذية لشاطئ المحيط الأطلسي أصبحت مهددة بخطر زحف المياه المالحة في حال استمرار الضغط بالطريقة الحالية على المياه الجوفية دون أن يوازيه تجدد متزامن في التطعيم, مع
ما سيترتب عن ذلك من هلاك للآلاف من الهكتارات من أشجار الحوامض, وغيرها من الأغراس الزراعية الأخرى مثل الزيتون واللوز, وانقراض ملايين الأغراس من شجرة أركان التي تشكل
حاجزا طبيعيا أخضر أمام زحف الرمال الصحراوية على سهلي سوس وماسة, وربما على التراب المغربي برمته, دون الحديث عن ضياع عشرات الآلاف من الهكتارات الأخرى المشمولة
بزراعات الخضروات وكلء الماشية, مع ما سيترتب عن ذلك من معضلات اجتماعية نتيجة ضياع مئات الآلاف من فرص التشغيل ومقابل هذه الحالة التي تنبؤ بوقوع كارثة بيئية وإنسانية في حال استمرار الوضعية على ما هي عليه, لم يعد غض الطرف على استمرار عملية استنزاف الموارد المائية في
سهلي سوس وماسة ممكنا تحت أي ذريعة كانت. وهذا ما جعل التفكير ينصب على كيفية التعامل مع هذه الظاهرة البيئية والمناخية المعقدة, وهي المهمة التي انخرط فيها مجموعة من الفاعلين المؤسساتيين منهم من ينحصر عمله على الصعيد المحلي, ومنهم من يمتد مجال تدخله ليشمل المستوى الجهوي والوطني.

zitoun
وقد انكب تفكير مختلف المتدخلين، في هذا السياق، وفي مقدمتهم وكالة الحوض المائي لسوس ماسة، باعتبارها الإدارة العمومية المشرفة على تدبير الملك العام المائي، على صياغة أفضل التصورات الممكنة الكفيلة بضمان الحق في التزود بالماء الصالح للشرب للأجيال القادمة في منطقة سوس ماسة من جهة، ومن جهة ثانية، الحفاظ على الثروة النباتية والزراعية التي تشكل جزءا أساسيا من النسيج الاقتصادي، ليس على صعيد هذه المنطقة فحسب، ولكن على الصعيد الوطني، باعتبار مساهمة صادرات المنطقة في ميزان التجارة الخارجية المغربية، فضلا عن الأخذ في الحسبان لحاجيات المنطقة من الماء بالنسبة للقطاع الصناعي، حيث تعتبر مدينة أكادير، عاصمة المنطقة، قطبا صناعيا على الصعيد الوطني، فيما يتعلق بالصناعات التحويلية المرتبطة بالمنتجات الزراعية والصيد البحري، إضافة إلى كونها قطبا سياحيا يتوافد عليه مئات الآلاف من السياح الأجانب سنويا.
والخلاصة التي أفضى إليها هذا التفكير، الذي يعد عصارة خبرة متراكمة متعددة الروافد، هو وضع مخطط عمل نموذجي تنخرط في تنفيذه جميع الأطراف المتدخلة في مجال المياه بمنطقة سوس ماسة من إدارات ومؤسسات عمومية، وغرف فلاحية، والجمعيات المهنية لمنتجي ومصدري المنتجات الزراعية، والمجالس المنتخبة، وبرلمانيي المنطقة، وجمعيات مستعملي المياه في أغراض الري، والسلطات المحلية، حيث اقتنع جميع المتدخلين بأن لكل واحد منهم دورا يجب القيام به في إطار منظومة موحدة اصطلح على تسميتها بـ «التهيئة المندمجة والمستدامة للموارد المائية في حوض سوس ماسة».
وتشكل «الاتفاقية الإطار للحفاظ على الموارد المائية وتنميتها» في منطقة سوس ماسة التي تمت المصادقة عليها يوم20 شتنبر2007 بعد مضي18 شهرا من المفاوضات، التي أشرف عليها السيد عزيز أخنوش رئيس مجلس جهة سوس ـ ماسة ـ درعة (قبل أن تسند إليه حقيبة وزارة الفلاحة والصيد البحري) محورا أساسيا في إطار هذه الخطة الإنقاذية، حيث تعتبر هذه«الاتفاقية الإطار» بمثابة خارطة طريق للتصدي للآثار السلبية للتغيرات المناخية على المنطقة، وبالتالي ضمان استمرارية الدور الذي تضطلع به سوس ماسة في النسيج الاقتصادي الوطني.

ومن بين أهم مكونات هذه الاتفاقية هناك على الخصوص تحويل 30 ألف هكتار من الأراضي الزراعية من نمط السقي التقليدي إلى السقي بالتنقيط وهي الخطة التي ستكلف استثمارا ماليا بقيمة 900 مليون درهم, مما سيمكن من اقتصاد 150 مليون متر مكعب من المياه سنويا. كما تتضمن الاتفاقية رصد 804 مليون درهم لإنجاز 22 سدا مائيا صغيرا, وسدودا تلية خلال عشر سنوات, فضلا عن رصد 6ر1 مليار درهم من أجل إنجاز خمسة سدود مائية كبرى قصد تعبئة المياه السطحية مما سيمكن من التخفيف من حدة العجز السنوي المتفاقم في الموارد المائية والذي يقدر حاليا بحوالي 320 مليون متر مكعب في سهل سوس, و59 مليون متر مكعب في سهل ماسة.

وقد لجأ مجلس جهة سوس-ماسة-درعة إلى اتخاذ خطوة عملية تعكس التزامه وحرصه الشديدين على إنجاح هذه المبادرة وتتمثل في رصده لاعتمادات مالية هامة على مدى 10 سنوات تقدر بحوالي 160 مليون درهم خلال الحقبة الزمنية الممتدة من 2006 إلى 2015, ضمنها 6ر3 مليار درهم تم تحويلها لأجل هذا الغرض برسم ميزانيتي المجلس لسنتي 2006 و2007.

وبالإضافة إلى الاتفاقية-الإطار للحفاظ على الموارد المائية وتنميتها, يشكل مشروع إنقاذ منطقة الكردان التابعة للمجال الترابي لإقليم تارودانت (حوض سوس) ثاني مبادرة عملية ضمن استراتيجية مواجهة التغيرات المناخية في منطقة سوس ماسة, حيث يعتبر هذا المشروع نموذجيا وفريدا من نوعه ليس على الصعيد المغربي فحسب ولكن على الصعيد العربي برمته, على اعتبار أنه يشكل نموذجا من الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مجال تدبير مرفق المياه الموجهة للأغراض الزراعية.

وقد كلف إنجاز هذا المشروع, الذي سيصبح عمليا مع مطلع سنة 2009, غلافا ماليا بقيمة 687 مليون درهم. وهو عبارة عن قناة مائية مدفونة تحت الأرض انطلاقا من سد المختار السوسي الذي تصل حقينته المائية الإجمالية إلى 50 مليون متر مكعب, وتمتد القناة على طول 90 كيلومتر لتصل إلى منطقة الكردان التي تعرضت فيها حوالي 10 آلاف هكتار من أشجار الحوامض للهلاك بفعل توالي سنوات الجفاف, ونضوب الفرشة المائية الجوفية في هذه المنطقة.

وتصل مساهمة الدولة في هذا المشروع 475 مليون درهم تم رصدها عن طريق صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية, فيما حددت مساهمة الفلاحين المستفيدين, وعددهم 675 فلاحا, في ثمانية آلاف درهم عن كل هكتار, بينما يصل حجم المياه المخصصة لهذا المشروع إلى 45 مليون متر مكعب سنويا ستتم تعبئتها عن طريق سد المختار السوسي, إضافة إلى سد أولوز الذي تصل سعته الإجمالية 108 مليون متر مكعب, فيما ستوجه كمية المياه الزائدة عن سقف 45 مليون متر مكعب بهذين السدين للتغذية الاصطناعية للمياه الباطنية لمنطقة سوس.

وفي سياق المبادرات العملية الموجهة إلى تفعيل استراتيجية التدبير المستدام للموارد المائية وتنميتها بمنطقة سوس ماسة, أشرف وفد وزاري مغربي في شهر نونبر من العام الماضي على إطلاق قافلة تحسيسية من أجل التوعية بأهمية ترشيد استعمال المياه في الأغراض الزراعية, وتوعية الفلاحين عن طريق التواصل المباشر وتوزيع المناشير والصور وغيرها في خمس محطات بأقاليم تارودانت وتيزنيت واشتوكة آيت باها بجدوى اللجوء إلى التقنيات الحديثة للري, وإطلاعهم على الدعم المخصص من طرف الدولة لتشجيع الفلاحين على تعميم تقنيات الري بالتنقيط حيث تصل نسبة هذا الدعم 60 بالمائة من قيمة الاستثمار الإجمالي لكل مشروع.

وما دامت منطقة سوس ماسة تحتل مكان الريادة على الصعيد المغربي في استعمال التقنيات الزراعية المتطورة, فقد تم اللجوء في إطار الاستراتيجية المندمجة لمواجهة الانعكاسات السلبية للتغيرات المناخية على النشاط الزراعي بالمنطقة إلى تأسيس جمعية زراعية تحمل اسم أكروطيك في 29 مارس 2006 حيث تحظى هذه الجمعية بدعم مالي من مجلس جهة سوس-ماسة-درعة, وتضم في عضويتها نخبة من الباحثين والخبراء الزراعيين المغاربة, إضافة إلى جمعيات المنتجين الزراعيين, والمقاولات الخاصة الفاعلة في الحقل الزراعي.

وتتولى جمعية أكروطيك, التي يرأسها البروفيسور إبراهيم الحافظي مدير مركب البستنة بأكادير التابع لمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة, إجراء أبحاث تتماشى مع رؤية الاتفاقية الإطار حول تنمية والحفاظ على الموارد المائية, وتتمثل هذه المهمة بالخصوص في القيام بأبحاث تصب في اتجاه تحويل اهتمام الفلاحين إلى التعاطي لأنماط زراعية تتميز بتثمينها الكبير للموارد المائية وتكون ذات مردودية عالية بالنسبة لكل متر مكعب من الماء, ثم التشجيع على خلق مقاولات مجددة في مجالي الإنتاج الزراعي والصناعات الغذائية, وتطوير زراعة الخضروات موازاة مع ترشيد وعقلنة استعمال الموارد المائية, وتطوير البحث عن موارد بديلة لمياه الري التقليدية.

وآخر مبادرة تم الإقدام عليها في إطار هذه الاستراتيجية المندمجة هو مصادقة مجلس جهة سوس-ماسة-درعة بالإجماع في دورته الأخيرة لشهر شتنبر 2008 على تخصيص غلاف مالي بقيمة خمسة ملايين درهم لتمويل دراسة حول مشروع تحلية مياه البحر.

وتتماشى هذه المبادرة مع الخلاصات التي سطرتها الورشات المنظمة على الصعيد الوطني بمناسبة تنظيم الحوار الوطني حول الماء, حيث شددت الورشة الخاصة بحوض سوس ماسة التي انعقدت في أكادير بتاريخ 9 يناير 2007 في إحدى توصياتها على ضرورة اللجوء إلى تحلية مياه البحر كحل استراتيجي للمشاكل الناجمة عن التغيرات المناخية في منطقة سوس ماسة وانعكاساتها السلبة على ندرة الموارد المائية في المنطقة..

 *رئيس المكتب الجهوي لوكالة الأنباء المغربية في أكادير

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : المياه والتصحر وتلوث البيئة البحرية والهواء :أبرز تحديات البيئة العربية, 15 وزيراً يشاركون في النقاشات مؤتمر البيئة العربية 2008 في المنامة محمد, البيئة العربية: تحديات المستقبل, د. مصطفى كمال طلبة الخبير الدولي في شئون البيئة, زغلول النجار يحاضر عن الإعجاز العلمي في القرآن في مجال التغييرات المناخية | السمات:, ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر